قطر تغادر مقعد الوسيط في اليمن: وتخندق «الجزيرة» في المعسكر السعودي
عبدالله م. بدوي · 2026-09-22

خبرت قطر اليمن جيداً من مقعد الوسيط. في 2007 دخلت الدوحة بين الحكومة اليمنية والحوثيين لوقف حرب صعدة، ثم عادت إلى الوساطة في 2008 و2009 و2010. وهذه ليست رواية خصومها؛ وزارة الخارجية القطرية نفسها تضع تلك الوساطات في سجلها الدبلوماسي الرسمي. لذلك، فإن ما تفعله الدوحة اليوم ليس تفصيلاً عابراً في علاقتها باليمن، بل تحوّل يستحق التوقف عنده: الدولة التي جلست سابقاً بين طرفَي الحرب، صارت تتبنّى علناً رواية أحدهما ضد الآخر.
في 16 أيلول، أعلنت السعودية اعتراض مسيّرة قرب المجال الجوي المحظور لمكة واتهمت الحوثيين بإطلاقها باتجاه المدينة. صنعاء نفت استهداف مكة. لكن الخارجية القطرية لم تصغ بيانها باعتباره تضامناً مع السعودية في مواجهة اتهام لم يُحسم بعد؛ قالت، بصورة تقريرية، إنها تدين «استهداف جماعة الحوثي مكة المكرمة بطائرة مسيرة»، ثم بنت على ذلك إدانة دينية وأخلاقية وسياسية كاملة، وأعلنت «تضامنها التام» مع المملكة.
مكمن المشكلة.
لم تقل الدوحة أن ما قالته: هو«بحسب بيان السلطات السعودية». لم تطالب بتحقيق. لم تترك حتى المسافة التقليدية التي تحتفظ بها دولة لم تكن شاهدة على الحادثة. حسمت هوية مطلق المسيّرة، وحسمت هدفها أيضاً.
والأكثر إحراجاً لقطر أن جهة أميركية يصعب، بأي معيار سياسي، وضعها في خانة المدافعين عن صنعاء كانت أكثر حذراً من الخارجية القطرية نفسها.
معهد دراسة الحرب في واشنطن يعرّف نفسه باعتباره مؤسسة تعمل على تعزيز قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ العمليات العسكرية ومواجهة التهديدات بما يخدم «الأهداف الاستراتيجية الأميركية». وشريكه في التقرير، مشروع التهديدات الحرجة التابع لـ«معهد أميركان إنتربرايز»، يقول إن مهمته تحليل الأخطار التي تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها وتقديم التقديرات لصانعي القرار والمجتمعين العسكري والاستخباري الأميركيين. أي أننا أمام بيئة بحثية تتحرك صراحةً من داخل منظور الأمن القومي الأميركي، لا أمام جهة قريبة من صنعاء.
ومع ذلك، خلص التقدير المشترك الصادر في 16 أيلول إلى أن المسيّرة ربما كانت متجهة إلى منشآت عسكرية أو نفطية قرب مكة أو شمالها، وقال بوضوح إن تعمّد الحوثيين ضرب مكة «غير مرجح». وشرح أن الطائرة قد تكون اقتربت من مكة وهي في طريقها شمالاً إلى ينبع، أو إلى أهداف في جدة أو الطائف.
إذا كان مركزان ينظران إلى الحوثيين أصلاً من زاوية التهديد لمصالح أميركا وحلفائها لم يجدا ما يكفي للجزم باستهداف مكة، فمن أين جاءت الدوحة بهذا اليقين؟
«الجزيرة»: حين يبدأ الحكم من العنوان
ثم جاءت «الجزيرة».
القناة نقلت النفي الحوثي، وهذه واقعة يجب إثباتها لها لا إخفاؤها. لكن المسألة ليست في وجود سطر للنفي داخل المادة، بل في الإطار الذي يدخل منه القارئ إلى القصة.
العنوان كان: «ماذا نعرف عن محاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيرة؟».
أي أن السؤال لم يعد: هل كانت مكة هي الهدف؟ صار «استهداف مكة» مقدمةً مسلّماً بها، ثم يبدأ النقاش في التفاصيل. والمادة نفسها تحدثت في مستهلها عن إعلان سعودي بشأن «استهداف حوثي لمكة»، قبل أن تعرض النفي لاحقاً.
والفارق هنا ليس لعبة لغوية. استخدام مكة في معركة إعلامية يحمّل الاتهام وزناً يتجاوز الحرب السعودية ــ اليمنية كلها. من يُقدَّم باعتباره حاول استهداف قبلة المسلمين، لا يعود في المخيال الشعبي خصماً للسعودية، بل يصبح متهماً بالاعتداء على المقدسات نفسها.
هذه هي الحرب الناعمة في أكثر صورها خطورة: تحويل رواية عسكرية متنازع عليها إلى حكم أخلاقي وديني قبل اكتمال الدليل.
ذاكرة سوريا ودور قطر
في عام 2022، قدّمت الباحثة زينة رافي مبارك الزعبي أطروحة دكتوراه إلى جامعة بورنموث البريطانية خصصتها لدور «الجزيرة» في بدايات الأزمة السورية. درست تغطية آذار ونيسان 2011، وقابلت عاملين حاليين وسابقين في القناة، وخلص تحليلها للمضمون إلى أن «الجزيرة» انحازت أساساً إلى ما أسمته الثوار السوريين، وأن قرارات اختيار المحتوى تأثرت بعوامل تحريرية وسياسية، بينها ما وصفته الباحثة بـ**«الالتزام الظاهر بالخط السياسي القطري»**. وفي الوقت نفسه، لم تدّع الدراسة أن القناة وحدها صنعت مسار الحرب السورية، بل قالت إن تأثيرها كان واحداً بين عوامل عديدة.
وقبلها، نشرت الباحثة زينب عبد النبي عام 2015 دراسة أكاديمية قارنت أداء «الجزيرة» في البحرين وسوريا، ووجدت أن تغطية الشبكة للملف السوري الذي تناولته أعادت إنتاج ودعم أطر أساسية من السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي.
المقصود ليس القول إن سوريا واليمن حالتان متطابقتان. بل إن السؤال المشروع اليوم هو: هل تعود الآلية نفسها؟ موقف قطري سياسي أولاً، ثم آلة إعلامية واسعة النفوذ تجعل هذا الموقف أكثر قدرة على تشكيل الرواية العربية؟
لهذا، فإن انتقال قطر من تاريخ الوساطة بين صنعاء وخصومها إلى تبنّي الاتهام السعودي بلا دليل فني منشور ليس حدثاً إعلامياً صغيراً. إنه تغيير في الموقع السياسي.
ويبقى السؤال في صنعاء: هل ستتعامل مع ما يجري باعتباره انحيازاً إعلامياً عابراً فتكتفي بالتفنيد والاحتجاج، أم تعتبر أن قطر غادرت فعلاً مقعد الوسيط وانتقلت إلى خندق خصومها، بما يستدعي إعادة النظر في العلاقة معها واستخدام أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية واقتصادية أشد؟
أما الدوحة، فعليها أن تسأل نفسها سؤالاً أبسط: حين تغادر مقعد الوسيط وتدخل معركة الرواية، هل تستطيع بعد ذلك أن تطلب من الطرف الآخر أن يستمر في معاملتها كوسيط؟